إذا أردت التعرف على الموسيقى الجزائرية والأمازيغية خاصة، فسيطول بحثك فهي متنوعة وفنانوها كثر، ولكن لا بد أن تتعرف على الفنان إيدير، صاحب الأغنية الشهيرة "بابا إينوفا". فمن هو إيدير؟ وكيف نجح في إخراج حكايات الجدات والتراث الأمازيغي من الجبال إلى أهم مسارح العالم؟

مصدر الصورة Getty Images

توفي الفنان الجزائري حميد شريت الشهير بإيدير، مساء السبت، بمستشفى بفرنسا، عن عمر ناهز 70 عاما بعد صراع طويل مع المرض.

وقدم الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون التعزية عبر حسابه الرسمي على تويتر، قائلا: "الجزائر فقدت أحد أهراماتها".

"سفير التراث الأمازيغي"

كان شغف إيدير بالموسيقى كبيرا وموهبته في الغناء واضحة للعيان منذ نعومة أظافره، إذ كان مستمعا جيدا لأهازيج جدته التي زرعت فيه حب التراث وإحياء فنه. ثم صُقلت تلك الموهبة على يد مدرس العلوم في سن التاسعة، فأبهر ومتع أقرانه ومدرسيه بصوته العذب طوال المرحلة الابتدائية.

ولكن إيدير الشاب لم يكترث بتلك الموهبة، إذ منح الأولوية لدراسته ثم لعمله كمهندس في مجال الجيولوجيا.

حملته الصدفة إلى دخول عالم الفن بعد أن ألقى قصيدة "أفافا إينوفا" أي "أبي إينوفا" على زملائه في العمل بإحدى المؤسسات النفطية، هناك تعرف على شخص ساعده في دخول مبنى الإذاعة فأتيحت له فرصة تعويض مغنية في برنامج للأطفال. وكانت تلك المحطة الأولى في مشواره الفني الحافل بالنجاح.

ومنذ ذلك الحين، ارتبط اسم إيدير بأغنية "أفافا إينوفا" وظلت علامة بارزة للأغنية الأمازيغية لما يقارب النصف قرن.

وأذيعت الأغنية عام 1976 في 77 بلدا ثم تُرجمت إلى أكثر 20 لغة.

ورغم أن الفنان الراحل كان مقلا في الإنتاج، إلا أنه يعتبر سفير الأغنية الأمازيغية نظرا لإسهاماته المتواصلة في تطوير موسيقاها، وعولمتها.

فقد أدخل على الموسيقى الأمازيغية إيقاعات وآلات جديدة .

تعاون إيديرمع عدد من المغنين العالميين، كالفرنسي شارل أزنافور ومواطنه الشاب خالد.

وعرف الفنان الراحل بمواقفه السياسية المثيرة للجدل وبدفاعه الشديد عن الهوية الأمازيغية.

ورفض طيلة 39 عاما إحياء حفلات موسيقية في بلاده الجزائر، احتجاجا على ما اعتبره تهميشا للثقافة الأمازيغية وعلى عدم الاعتراف بها من قبل الأنظمة المتعاقبة منذ استقلال البلاد.

ولم يتراجع عن قراره إلا عام 2017 بعد الاعتراف باللغة الأمازيغية كلغة رسمية إلى جانب العربية في الدستور الجزائري.

صوت الماضي

وبكل أسى وحزن، نعى رواد مواقع التواصل في عدة دول مغاربية الفنان الراحل، وأشادوا بجهوده في نشر الموسيقى الأمازيغية حول العالم.

وصفه كثيرون بالأسطورة وبأيقونة الفن الأمازيغي.

وتشاركوا مقاطع من أغنياته، مثل "أسندو" وهي آلة تقليدية تصنع من ثمرة نبات القرع لخض اللبن.

وقد استلهم إيدير كلمات الأغنية من خلال مراقبته اليومية لوالدته.

ويرى محبو تلك الأغنية تشابها كبيرا بين "مخاضة اللبن" التقليدية والمرأة الريفية عموما، "فكل منهما يعاني في حركاتها وترنحها حتى تدر الحليب للأطفال"، حسب وصفهم.

تسرح " تاسيلي تزيري"، ذات 60 عاما، مع كلمات أغنية "اسندو" فتتذكر قربة (مخضة) الحليب التي كانت تتوسط منزل جدتها، حيث كان الأطفال يتحلقون حول الكانون في ليالي الشتاء الباردة ينتظرون بشغف قصصها الشيقة وكوب الحليب الساخن الممزوج بالعسل.

أما يونس فيقول: "فافا إينوفا، تعيدني هذه الأغنية للماضي الجميل، حيث قريتي القابعة بين السحب في جبال تيزي وزو الشاهقة، تتهادى لمسامعي صوت جدتي وهي تقص علينا الحكايات وتحذرنا من الغول الرابض أمام الباب. تلك الذكريات ستبقى حية بفضل إيدير رحمه الله".

حكايات الجدات

لكل مجتمع ثقافته وأساطيره الخاصة، والتراث القبائلي الأمازيغي يزخر بالعديد من القصص الخرافية، التي تحولت مع مرور الزمن إلى أغان عابرة للحدود.

وكان إيدير مولعا بذلك العالم، فهو لم ينس يوما "خرافات" جدته و "أشويق" عجائز قريته.

والأشويق هي أهازيج شعبية ترددها النسوة في منطقة القبائل، فتصدح حناجرهن بحكايات الأولين وقصص كفاحهم.

وتتبع تلك الأهازيج عادة بالزغاريد وبإيقاعات الناي الساحرة ودندنات آلة القويطرة.

ويرجع الفضل الكبير في الحفاظ على الإرث الشفهي الأمازيغي للمرأة التي كرمها إيدير في جل أغانيه.

فقد نهل الفنان الراحل من أهازيج جداته واختار منها أنقى الكلمات ونسج لها لحنا عصريا رائعا.

"لقد ترعرعت في كنف عائلة متواضعة، كان والدي يرعى الأغنام من الفجر حتى غروب الشمس بينما كانت والدتي تقضي يومها بين المنزل وجني الزيتون فيما كانت جدتي تخص اللبن" كهذا كان إيدير يتحدث عن طفولته خلاله لقاءاته الصحفية مع مواقع ناطقة بالفرنسية.

‫وكان دائما يشير إلى الأثر الذي تركته أمه وجدته في موسيقاه، فيقول:" للكلمة قيمة كبيرة في مجتمعنا الذي تسيطر عليه الثقافة الشفهية، كنا نسهر ليلًا نتسامر على الحكايات والألغاز، وكان الناس يأتون من القرى البعيدة لسماع أزجالوالدتي التي يعتبرونها شاعرة".‬

مصدر الصورة Getty Images قصة "بابا إينوفا"

وتعد أسطورة روفا والوحش (التي استلهمت منها أغنية بابا إينوفا) من أكثر الأساطير شهرة في الموروث الشعبي الأمازيغي.

بمجرد ذكرها، ترتعد فرائص الأطفال الصغار، لينطلقوا مباشرة في الهرب.

تتحدث الأسطورة عن فتاة صغيرة تكافح من أجل لقمة تسد بها جوع إخوتها ووالدها العجوز، رغم خوفها من وحش غابة.

وطلب الأب المسن من ابنته أن تهز برجلها فيسمع رنة خلخالها ليتعرف عليها ولكنها ترفض خشية أن يسمع الوحش الصوت. ‬

وتتوالى الأحداث ليكتشف الأب في النهاية أنه لا يعرف الكثير عن ابنته، فعلاقته بها مبنية على المنفعة.

وقد اشترك إيدير مع الشاعر محمد بن حمدوش في صياغة كلمات أغنية بابا إينوفا مع إضافة مقطعين إلى القصة الأصلية. هما كالتالي :

تحولت الأسطورة الأمازيغية إلى أغنية وقدمت في ثقافات عالمية بعناوين وأسماء مختلفة.

تتشابه تفاصيل هذه الحكاية مع قصة ليلى والذئب إذ تشتركان في نفس الخط الدرامي فيما تختلف نهايتهما.

ولئن اختلف الناس حول أهمية إحياء تلك الأساطير، إلا أنها تبقى جزءا هاما من تراث الشعوب ومرآة لتاريخهم وأفكارهم.